ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

103

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

عين أنفسهم فمن أراد أن يقف على عيب نفسه فليطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا وينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله مما يكرهه من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الظاهرة والباطنة فينبهه عليها فهكذا كان يفعل من يريد صلاح نفسه . كان بعضهم يقول : رحم الله من أهدى إلي عيوبي وكان عمر يسأل حذيفة بن اليمان ويقول أنت صاحب سر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق فيقول له أنت تعلم بحال نفسك وقد قل الأصدقاء وعز من يترك المداهنة فيخبر بالعيب ولا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا أو عن مداهن ( 1 ) يخفى عنك بعض عيوبك . ولهذا كان بعضهم اعتزل عن الناس . فقيل له : لم لا تخالط الناس فقال ما أصنع بقوم يخفوني عيوبي فقد كانت شهوة ذوي الدين أن ينتبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم وقد آل الأمر إلى أن أهل زماننا هذا أبغض الخلق إليهم من يعرفهم عيوبهم ويكاد يكون هذا مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة عقارب وحيات لدغة ولو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منه وفرحنا به واشتغلنا بأبعاد العقرب وقتله وإنما نكايته ( 2 ) على البدن يوما فما دونه ونكاية الأخلاق المردية على صميم القلب ويخشى أن يدوم بعد الموت أبدا أو آلافا من السنين ثم إنا لا نفرح بمن نبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثله فنقول فأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه فيشبه هذا أن يكون من قساوة القلب . الذي أثمرته كثرة الذنوب وأصل كل ذلك ضعف الإيمان فنسأل الله تعالى أن يعرفنا رشدنا ويبصرنا بعيوب أنفسنا بمنه ولطفه . ومن أراد أن يقف على عيوب نفسه ويتحققها فيأخذ ذلك من لسان أعدائه ( فإن عيون السخط تبدي المساويا ) ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن ( 3 ) يذكره

--> ( 1 ) المداهنة : اظهار خلاف ما تضمر . ( 2 ) نكي العدوة : قهره بالقتل . ( 3 ) المشاحن : المعادي . وشاحنه : باغضه .